أنت هنا

الأسبوع الوطني الخامس للقرآن الكريم

نص الخطاب الذي ألقاه فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بمناسبة افتتاح فعاليات الأسبوع الوطني الخامس للقرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم،
و الصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين،
أيها السادة الكرام،
السادة العلماء الأجلة،
أصحاب الفضيلة والاجتهاد والرأي،

السلام عليكم وطاب مقامكم بيننا ووفاكم أجوركم ثوابا في الدارين وأنتم تعكفون في هذا الأسبوع المبارك على خدمة كتاب الله العزيز الحكيم. هذا الكتاب الذي اصطفى له الرحمن سيدنا محمدا (صلى الله عليه وسلم) والذي تحظى الجزائر به اليوم لتنظيم الذكرى الخامسة لأسبوعه في حضرة كوكبة من رجالات الفقه والعلم وحفظة القرآن الكريم الذي سيظل نبراسنا ومرجعنا وملهمنا كما كان لدى أجدادنا منذ أن شع نوره مع البعثة المحمدية المباركة.
و أود ، ونحن ما نزال في غمرة الاحتفال بذكرى دينية عظيمة، حبيبة إلى قلب كل مسلم، أن أتقدم إلى المجتمع الجزائري بأخلص التهاني وأجمل الأماني بحلول ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، الذي امتلك نفوس أتباعه وأنصاره بالحكمة والموعظة الحسنة، واستعبد قلوب خصومه وأعدائه بالحلم واللين والرفق والصفح الجميل. ولا شك في أن من بعض المعاني الجليلة لاحتفالنا بذكرى مولده (صلى الله عليه وسلم) هو تطلعنا إلى السير على هديه وإقرارنا باستلهامنا توجيهاته في الأخذ بأسباب القوة والمناعة والتقدم والرقي، لأن العزة لله و لرسوله وللمؤمنين، ولا عزة مع الجهل، و الفقر، و التخلف و الهوان على الناس.
فكلنا يعلم أن النهوض إيمان و حزم و عمل في ثقة وإخلاص، و أن ذلك كله ليس بعزيز عندما يكون الجميع من "الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" المعارج - الآية 23 -، إذ "لا دين لمن لا أمانة له" كما جاء عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فلا حياة لمجتمع لا يؤدي فيه كل فرد أمانته مهما تطلب ذلك من مشقة وعنت أو إغضاب للناس، فقد أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:
"ما ترك لي الحق صاحبا" وقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يدعو لمن آذاه بالهداية والغفران، أما عندما يتعلق الأمر بواجب الأمانة فإنه لا يثنيه عن أدائها وتبليغها ترهيب ولا ترغيب.
ولعل مما يستوجب استلهامه كذلك من توجيهاته (صلى الله عليه وسلم) ونحن نواجه تحدي الدخول في الألفية الثالثة، أن نزداد إيمانا ويقينا بأن العلم هو وحده أساس كل نهضة وتقدم، وأساس كل بناء حضاري سليم، وهو وحده القادر على إنارة البصائر و الأبصار لترتاد مختلف المجالات، سواء مجال العقيدة والروح، أو عالم الكون الفسيح أو عالم النفس الإنسانية، أو موازين القوة والضعف والنصر والهزيمة بمفهومها الحضاري في تطور الشعوب والأمم وتقلب حياتها مع الزمن.
أيتها السيدات الفضليات،
أيها السادة الأفاضل،
إنكم تلتقون، في ظل ذكرى المولد النبوي الشريف، الذي هل هلال سعده علينا، ونحن في ظرف متميز من حياتنا الوطنية، مرحلة سجلت فيها الجزائر بكل فخر واعتزاز مستوى مشرفا في وعيها الحضاري ونضجها الاجتماعي وحسها السياسي، ولله وحده المن والشكر، فقد برهن المجتمع الجزائري على تشربه الكامل لمفهوم المواطنة، وجسد إدراكه لحجم مسئوليته ووعيه بواجب الإسهام في تمتين أسس بناء هذا الوطن الغالي، والحق أن هذه الروح الوطنية العالية، وهذا النضج الاجتماعي والحضاري لما عرف به المجتمع الجزائري دائما، في جميع مراحل حياته، سواء في تاريخه البعيد أو القريب، غير أن هذا النضج قد ازداد بفضل التطور السريع الذي عرفه منذ الاستقلال إلى أن توجته هذه المرحلة التي نعيشها اليوم بكل وجداننا، والتي مكنته من أن يقطف ثمار هذا النضج والوعي، وهو يستبشر كل خير بمستقبله القريب إن شاء الله، فهنيئا للجزائر بهذا المكسب الحضاري الجديد وهنيئا لها بهذه الخطوة العملاقة الرائدة وهنيئا لها بهذه الثقة وبهذا الطموح المشروع في استكمال بناء كيانها العصري الأصيل، القائم على مبادئ الحرية والعدل والتضامن، في ظل الأمن والوئام والاستقرار، وحمدا لله الذي توج جهودها وصبرها ووعيها بالنجاح في أكبر امتحان وطني لبناء الديمقراطية.
وما من شك في أن الجزائر اليوم تحتاج من أجل تحقيق هذا الطموح الكبير إلى جميع أبنائها المخلصين الذين يضعون مصلحتها فوق كل اعتبار، مثلما يحتاج بناء هذا الكيان الحضاري المنشود إلى تكامل جميع مؤسساتها لتؤدي مهماتها في نسق موحد يجسد فعلا دولة القانون وأخلاقيات القانون، المستمدة من قيم ديننا الحنيف ومن أصالة شخصياتنا الحضارية، بأبعادها الثلاثة المكونة لها، التي صاغها التاريخ وجسدها المجتمع، وأكدتها المواثيق الرسمية للدولة الجزائرية، وهي الإسلام والعروبة و الأمازيغية.
ومن المعلوم أن هذه الأبعاد ليست فضاءات متجاورة يستقل بعضها عن بعض، بل هي متلاحمة ممتزجة ألفت مركبا جديدا لا يمكن فصل أجزائه الثلاثة. ويحدثنا تاريخ الجزائر الطويل أن هذه الأبعاد الثلاثة كانت في تلاحمها سر التماسك والصمود والدفاع عن الذات الحضارية كلما تعرضت هذه الذات للتصدع والتلاشي أو للمسخ والتشويه.
أيتها السيدات الفضليات،
أيها السادة الأفاضل،
إن طبيعة الموضوع الذي يبحثه هذا الملتقى يفتح آفاقا رحبة، ويثير في الذهن مسائل هامة وكثيرة خصوصا ونحن نعيش في عصر شهد فيه العلم التجريبي تطورا كثيفا مدهشا، ومن هذه المسائل الخاصة بنا نحن المسلمين، والتي ينبغي التنبيه إليها في مثل هذه المناسبة الكريمة، أن فضل الحضارة الإسلامية في مجال العلوم الكونية والطبيعية المختلفة على المدنية بشكل عام، وعلى النهضة الأوروبية بشكل خاص قد أخذ حظه الوافر من الاهتمام، ليس من قبل العلماء المسلمين وحدهم بل حتى من قبل غيرهم من العلماء الأجانب والمستشرقين المنصفين للحقيقة وللتاريخ، مما يدخل في باب تاريخ العلوم، فالمبالغة في التركيز على هذا الجانب التاريخي المعروف، وتسخير الجهد من أجل تأكيده قد لا يفسر إلا الحنين إلى ماض مجيد مشرق كتعويض عن الفقر العلمي الذي يعانيه حاضرنا اليوم، لكن المطلوب هو الابتكار والإبداع والإضافة من جديد.
ومما ينبغي التنبيه إليه كذلك، عند الحديث، عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، بصفة خاصة أن الهدف منه هو أن يكون حافزا على الإبداع في مجال هذه العلوم، لا لمجرد الرضا والافتخار بتأكيد سبق القرآن لمختلف الاكتشافات العلمية الحديثة، لأن المطلوب والمنشود ليس تأكيد عظمة الإسلام وسبقه وتفوقه، وإنما المطلوب هو العمل من أجل أن نصبح، نحن المسلمون عظماء متفوقين، وسباقين، إلى كل ابتكار وتجديد.
لقد عرف العلم التجريبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين تقدما منقطع النظير، وحقق في العشرية الأخيرة وحدها مثلما حققته البشرية في عمرها الطويل، مما يؤكد بقوة أن رهان المستقبل هو رهان علمي تكنولوجي، وهذا يزيد في حجم التحدي الذي يواجه المسلمين، باعتبارهم مشروع كيان نهضوي يحمل رسالة حضارية إنسانية عالمية، فما هي الإضافة التي في وسعهم تقديمها اليوم في هذا المجال انطلاقا من قوله تعالى "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" وانطلاقا مما يسمى بالقاسم المشترك الإنساني العام، وهو جميع العلوم التي يبدعها الفكر الباحث في الطبيعة وظواهرها وفي المادة وخصائصها التي تقوم كلها على التجربة المحسوسة، وتكون حقائقها دائما بنت الدليل، فلا تختلف باختلاف عقائد الباحثين أو فلسفاتهم أو أجناسهم أو لغاتهم، لأن موضوعها واحد وقوانينها واحدة، وكذا مما يسمى بالتميز الحضاري الخاص النابع من النفس.
وبما أن هذه تتميز مكوناتها ومفاتيح عوالمها تبعا للعقائد والبيئات والثقافات، فإنه من الطبيعي أن تتعدد منظومتها الأخلاقية المستمدة من فلسفتها الخاصة في الحياة، وهذا الجانب هو الذي تفرد القرآن الكريم برسمه وبيانه، وهو الجدير باهتمام المسلمين اليوم باعتباره الإضافة التي تفتقدها الحضارة الغربية المعاصرة، والتي ينتظر منها تقديمها.
إن القرآن الكريم يقيم الحياة كلها علي العلم، سواء في ذلك الحياة في جانبها الروحي أو المادي، فحتى الغيب الذي يقوم على الإيمان لا على المشاهدة الحسية والاختبار والتجربة، يقيمه القرآن على العلم، وهذا سر نبذ الإسلام للتقليد والجمود و اتباع الظن من دون نظر مستقل وفكر ووعي، وذلك لأن الإنسان إنما هو مكلف في هذه الحياة، والنهوض بالتكليف لا يقوم إلا على العلم بمقتضياته من جهة، وإخلاص النية فيه، من جهة أخرى.
فهناك مبادئ أساسية عامة تقوم عليها هذه الفلسفة وتستمد منها هذه الأخلاق، هي التي ينبغي إبرازها دائما وتنشئة الأجيال عليها، ومن هذه المبادئ العامة، إن طلب العلم عبادة، فمداد العلماء في الإسلام يوزن بدماء الشهداء. والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها، كما آثر عن الرسول (صلى الله عليه وسلم).
وهذا الحديث النبوي الشريف كان أساسا تربويا عظيما في التعامل مع العبقريات والقرائح والعطاء الإنساني عموما جعل المسلمين يقبلون على ما عند غيرهم من الأمم، ينقلون ويلخصون، بعقلية قوامها التفتح والتواضع.
ومن هذه المبادئ كذلك، أن نشر العلم من أعظم الصدقات، فالعالم في الإسلام يبتغي عند الله الثواب بخدمة الإنسانية كافة، فلا احتكار ولا انغلاق ولا غرور. إن هذه الأخلاقيات الإسلامية الرفيعة وهذه الفلسفة المتميزة في حسن توظيف العلم وتسخير قدرته من أجل خدمة الإنسانية هي التي ينبغي إبرازها وتجسيدها.
أيها السادة الكرام،
إن تحقيق ما نصبو إليه من نهضة شاملة في جميع مجالات الحياة يفرض علينا الأخذ بمنطق الأولويات التي يمليها علينا واقعنا الحضاري في بعديه الوطني والعالمي، ومنها في مجال العمل الإسلامي مضاعفة الجهد من أجل الارتقاء بالوعي الإسلامي إلى مستوى العصر، انطلاقا من أصالتنا وما تنطوي عليه من عناصر القوة والضعف وأسباب الحياة والتفاعل الإيجابي مع المتغيرات.
واستنادا في الوقت نفسه إلى مخزون تراثنا العلمي الذي أنتجته حضاراتنا، إذ شاركت في صنعها جميع الأجناس على اختلاف العقائد والثقافات والبيئات فكانت نسيجا فريدا في عالميتها وإنسانيتها وفي براءتها من كل أمراض الانغلاق والجمود والتقليد والتعصب أو الهيمنة والتسلط والإقصاء. فالمجتمع القرآني في قرونه الأولى اهتدى بفطرته وصحة تفكيره، و توازن رؤيته للكون والطبيعة، إلى اكتشاف المناهج العلمية السائدة إلى اليوم. و التي قامت على متونها نهضة العصر الحديث، لما حسن استعمالها، في مجالات العلوم التجريبية والنظرية على السواء. فالاستقراء والاستدلال، هما من إسهامات المسلمين، في مجال تطوير المعرفة، وبناء العلوم، وفرت بمقتضاها الإنسانية، جمعاء، قرونا من الزمن، دون إغفال الاكتشافات، والاختراعات المتعددة الأخرى، خاصة في فنون الطب، والفلك والرياضات، والكيمياء، والهندسة، والجغرافيا، والفلسفة، والأدب والموسيقى.
ويعود الفضل لأمة القرآن في الربط بين الحضارات القديمة والعصر الحديث، من خلال حركة الترجمة، التي تألقت واحتلت فيها مكان الريادة، ولم تسبق إليها أمة من قبل في الكم و الكيف، وفي استيعاب العلوم السابقة، والحضارات الدارسة، والإضافة إليها وتجاوزها، بذهنية جديدة، وأفكار وليدة.
ولم تغفل هذه الأمة مجالا من مجالات المعرفة، إلا كان لها فيه باع وتجديد، وأقامت نماذج مجتمعات ودول، وافقت بين ناصية العلم، وفضيلة الإيمان، وحيوية الحركة والتوثب، مما بسط سلطانها على مساحة شاسعة في القارات الثلاث، في زمن قصير، وسرعة تشكل سرعة القرن الواحد والعشرين.
وقد بشر القرآن الكريم، بالمبادئ الأساسية، والقيم العامة لتأسيس وتنظيم الحياة، وقيادة المجتمعات الإنسانية، نحو التعايش والسلم و الاستقرار والرقي والبناء. فأخلى سبيل العقل، وكرمه بالحرية، وحثه على الاجتهاد، وقومه بحسن التدبر وحصنه بمبادئ خلقية صالحة لكل زمان ومكان حتى يكون الإنسان العاقل خير خليفة على هذه الأرض، يفقه رسالته التي فضله بها المولى عز وجل على باقي الكائنات.
وإنه متى تعطل الاجتهاد في أمة، وصدر دور العقل، وصفدت الإرادة الخيرة، ظهرت الذهنية الرجعية، واستأسد الجهال، وضاقت آفاق الثقافة بما رحبت، وفي ذلك إيذان ببدء الانحطاط، وارتداد الإنسانية، إلى الحضيض.
وقد ابتليت أوطاننا، بما فيها بلادنا الجزائر، برهط من أقوام، أباحوا لأنفسهم، تكفير الحاكم والرعية في بلاد الإسلام، فأحلوا دماء المسلمين، واستباحوا أعراضهم، ونهبوا ودمروا أرزاقهم، وقدموا بذلك نموذجا، بائسا عن الإسلام والمسلمين في العالم المعاصر، استغله الذين في قلوبهم غل ومرض، وفي نفوسهم ضغينة وحقد على الإسلام، فلم يبرحوا قول الزور، والبهتان فيه، رغم ما به من مكارم الأخلاق، وحسن المعاملة والدعوة للتي هي أقوم.
إننا إذن، والحالة هذه، أمام ضرورة تجديد نظرتنا للقرآن الكريم، باعتباره ثروتنا الروحية، والعقلية، والفكرية الخالدة، ومصدرا مفتوحا على جميع الاجتهادات السليمة، الاجتهادات الشرعية، التي توكل فيها الأمور، لأصحاب العلم الغزير، والرأي السديد، والعقل الراجح، والبيان القويم. فقد كان لكل أمة "شرعة ومنهاج" سورة المائدة 48.
فنحن اليوم أمة مكبلة بتخلفها، رغم توفرها على شروط النهضة والإقلاع، لما بين أقطارها الإسلامية من تكامل وثروات سيء استغلالها في غالب الأحيان. ومن غير المنطقي أن ننتظر حلولا لمشكلاتنا من لدن غيرنا، أي من خارج إرادتنا، وبمنأى عن تصوراتنا، وتشخيصنا لأمراضنا. كما لا يجب علينا أن نركن للسكون، وللجمود، فتجرفنا سيول التغيير السريع من حيث لا نريد.
فعلينا إذن أن نستلهم شكل الدولة المعاصرة بكل مقوماتها الأصالية والحداثية، دولة تتجاوز فيها الذهنية الضيقة إلى ثقافة الدولة المؤسساتية التي يديرها الحكم الراشد ويتداول فيها على السلطة بالطرق الديمقراطية المعروفة، وتوزع فيها الثروات بعدالة وتسود فيها سلطة القانون وتتبلور في أجوائها مفاهيم المواطنة الحقة وتراجع فيها العديد من القضايا الجوهرية في مجتمعاتنا، كقضية المرأة في الشريعة الإسلامية بكل جوانبها ومكانتها في المجتمع ودورها الاقتصادي والسياسي، وقضايا التنمية الاقتصادية والمصارف والبنوك، و قضايا حقوق الإنسان و مفهوم الحريات الشخصية والعامة، وقضايا حوار الأديان والحضارات والثقافات، واكتساب نجاعة العصر في العلوم والتكنولوجيا الحديثة.
وتجاوز المذهبيات والعرقيات والفئويات الضيقة التي استنزفت طاقة الأمة الواحدة وذلك من خلال الإقناع والحوار والمصالحة الشاملة،ىهذه المصالحة التي يجب أن تصبح خيارا استراتيجيا في مسيرة الأمة من أجل فض النزاعات، وإطفاء نيران الفتن والخصومات وتنقية المفاهيم الموروثة عن عصور الانحطاط في الثأر والانتقام والانكماش و التشرذم والتفتيت والتواكل واللامبالاة والخمول الذهني والتسيب الحضاري.
فالمصالحة التي نعنيها هي الفعل الخلاق الذي يضع عبقرية الأمة في مواجهة أمراضها و معضلاتها النفسية و الاجتماعية والروحية والتنموية بما يخولها تشخيص عللها وتطبيبها بوصفات علمية وقانونية بعيدا عن التطرف والإقصاء واللجوء إلى العنف والعنف المضاد.
وهكذا يمكن لنا أن نأمل في تجسيد التكامل و التناغم بين الواحدية لله التي شرعها في دينه بإطراد وبعث بشأنها أنبياء ورسل يبشرون بها، وبين التعددية كضمان للاختلاف والتنوع في هذه الحياة التي قوامها الإنسان الذي كرمه الخالق بالعقل وبكل الاستعدادات الأخرى.
فالحرية الفكرية والسياسية والعقائدية التي يقرها الإسلام في صريح الآيات القرآنية هي من صلب عملية التطور المدني و الارتقاء الحضاري في بناء وتنظيم المجتمعات باحترام الإرادة الفردية والإرادة الجماعية للأمة وضمان حقوقها الخاصة والعامة وتقدير اختياراتها وتثمين أفكارها وآرائها كمصدر للاستفتاء على تقرير مستقبلها بكل حرية ومسؤولية. ما الحاكم إلا خادم للأمة، مؤتمن على مصالحها وأمانتها.
أيتها السيدات الفضليات،
أيها السادة الأفاضل،
نلاحظ بعميق التحسر، البون الشاسع، بين تعاليم القرآن و واقع الأمة الإسلامية اليوم. فبينما يدعو القرآن الكريم إلى الحرية، و العدالة والتسامح و التعاضد و القوة التي يؤازرها الحق، تعيش أمة الإسلام أوهن مراحل تاريخها على كافة الأصعدة. فما تنتجه الأمة العربية كلها من الغذاء على سبيل المثال لا يعادل ما تنتجه دولة واحدة في الغرب، وما تنشره من كتب وبحوث، وما تبدعه من اكتشافات و اختراعات، لا يساوي مثيله في إحدى دول الغرب.
و قد يتبين لنا بوضوح ما عليه إنتاجنا من ضحالة وضآلة عندما نذكر بأن الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة تحتكر ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي و ليس لبقية دول العالم إلا الربع المتبقي. الأمر الذي صادر حق الأمة في أن تكون شريكا مؤثرا في لعبة النفوذ الدولي، خلال مرحلتي القطبية الثنائية والقطبية الأحادية، فنحن اليوم ندفع ضريبة تخلفنا، في أكثر من مجال، و أكثر من مكان، خاصة في فلسطين والعراق بإرادة دولية جائرة أو متواطئة، دون أن يستطيع المسلمون تحريك ساكن، لدفع الأذى الذي كاد أن يؤدي إلى الإبادة.
ليس هناك، أيها الإخوة الكرام، ظرف أدعى من الظرف الحالي، لكي يتصالح واقع الأمة، مع تعاليم قرآنها ورسالة إسلامها، لتأخذ مكانتها الجديرة بها، في مسيرة التاريخ، وبين الأمم السيدة على مصائرها.
وإن كنا لا نعفي أنفسنا ولا نعفي أحدا من هذه المسؤولية الخطيرة، فإنه يقع على عاتق العلماء و الفقهاء والمجتهدين الثقاة، الحمل الأعظم في تنبيه الأمة إلى مصادر الخطر وأسباب الهزال وكذلك إلى منابع نهضتها، وسبل ارتقائها وآمال شبابها في التنمية والاعتزاز بالشخصية الوطنية، وخدمة الدين الحنيف، وإنه ليحدوني أمل كبير في ناشئتنا التي تقبل بحماسة فياضة على حفظ كتاب الله وحسن تلاوته وتجويده، والعمل بتعاليمه وتوجيهاته.
وبهذه المناسبة القيمة، أسبوع القرآن الكريم، أعرب عن شكري وتقديري، لرجال العلم والفقه، وأصحاب الرأي والدعاة المتنورين، وحفظة القرآن، من ممثلي الزوايا والمدارس والمعاهد، راجيا من المولى جلت رحمته، أن يهدينا سبل الرشاد ويشد من إزرنا في خدمة دينه الحنيف، والعمل ما أمكن بكتابه وبسنة رسوله الكريم ويوفقنا جميعا لما فيه عزة الوطن الطموح وسؤدد الأمة الخالدة.
و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

فخامة رئيس الجمهورية
السيد عبد العزيز بوتفليقة