أنت هنا

الأسبوع الوطني السادس للقرآن الكريم

خطاب فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في افتتاح الأسبوع الوطني السادس للقرآن الكريم

-الجزائر، الثلاثاء 3 ماي 2005

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،

أيها السادة الأفاضل،

هل هناك أدعى للرضى والسعادة من أن نقف في رحاب الله نتنسم أجواء هذا الحدث القرآني العلمي المبارك الذي يضوع بأريج ذكرى المولد النبوي الشريف، ذكرى ميلاد المصطفى صلى الله وملائكته عليه وسلموا تسليما، وإنها لمناسبة كريمة نقوي فيها حسن ظننا بالله سبحانه ونعزز صلتنا به ونجدد عزمنا على الاهتداء بهديه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنحن إن شاء الله مهتدون مادمنا نحرص على تلاوة كتاب الله وحفظه وتدبر آياته والعمل بأحكامه، وما دمنا نستروح بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعمل على التأدب بآدابه على بصيرة ووعي بما يقتضيه العمل بتوجيهات القرآن المجيد. ونحن نسعى بكل حزم وثقة وثبات إلى بناء مجتمع الكفاية والعدل والحياة الكريمة في أمن ووئام واستقرار.

ومن هذه التوجيهات القرآنية الأخذ بالأسباب، والمسارعة إلى تغيير ما بأنفسنا ليغير الله ما بنا، بمراجعة الذات ومحاسبتها، وهو ما يتمخض لبحثه ودراسته هذا الملتقى المبارك إن شاء الله.

إننا، ونحن نطمح إلى تحقيق ذلك كله، مدركون لحجم التحدي الذي يفرضه علينا الوضع الحضاري العام الذي يعيشه العالم من حولنا، فنحن مطالبون بمواجهة إشكاليات حضارية معقدة، سواء في المستوى الخارجي الذي يحتم علينا انتهاج أساليب جديدة مناسبة لمنطق العصر، للنهوض بكافة مجالات حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتطويرها، قصد المواجهة الفعالة لظاهرة العولمة، أو في المستوى الداخلي وما يوجبه وضعنا المتميز من الوعي والحكمة ووحدة الرؤية لترتيب الأولويات، من أجل ضمان تأسيس حضاري سليم قائم على المصالحة ومع الذات، بكل أبعادها الدينية والتاريخية واللغوية والسياسية والاجتماعية والحضارية.

إننا نعلم علم اليقين أنه لا تنمية ولا نهضة إلا في ظل الأمن والاستقرار والسلام. ولا استقرار مع بقاء عوامل الخلاف والفرقة والصراع والتصدع. ولا سبيل إلى إزالة هذه العوامل إلا بتفهم عميق لوضعنا، وعمل جاد دؤوب لتنمية وتطوير مجتمعنا بما يحقق الأمل في المكانة العالية التي نطمح إليها بين الأمم الرائدة.

أيها السادة الأفاضل،

إن العمل الجاد والتفهم العميق لواقعنا، من ضمن الأسس الكفيلة بإخراج الجزائر نهائيا من أزمتها المتعددة الجذور. والتي لغمت مستقبل أجيالها، ودفعت بها إلى التدمير الذاتي، وهما المعول عليهما في تمكين المجتمع الجزائري من تجسيد تطلعاته، وتحقيق أمله في طي صفحة الدموع والدمار والموت، لنشر صفحة الأمن والوئام والعيش في عزة وكرامة وأمان.

ولعل مما تجب الإشارة إليه، هنا، أن المجتمع الجزائري ليس بدعا من المجتمعات البشرية. وأن التجربة المريرة التي عاشها قد عانتها وعرفتها مجتمعات أخرى مثله. وسيعانيها كل مجتمع تفرز ظروف تطوره السريع الدوافع نفسها التي أنتجت هذا الوضع. فهذا قانون عام يعرفه علماء التاريخ والاجتماع. وعندما تفقد العلاقات الاجتماعية استقامتها الأصيلة، ويهتز وعيها المبدئي، فإنها تتدهور وتفسد فيضطرب لذلك المجتمع ويفقد توازنه، وقد يشتد تأزم هذه العلاقات المتدهورة فيصل المجتمع حيئنذ إلى حد التصدع والترهل ثم الانهيار.

ولكن لكل أمة مستمسكا تتشبث به، ومرجعا تعود إليه كلما حاق بها مكوره، أو أصابها سوء، فيقيها من الفناء المحقق، ومستمسك المسلمين ومرجعهم في المحن والفتن، وفي تنوير المجتمع وتطويره، وفي الدفاع عن الوطن، كان وما يزال القرآن الكريم. يستلهمون روحانيته ومثله، ويستوضحون مبادئه ومقاصده، فإذا هم على بينة من أمرهم، وإذا هم على صراط مستقيم.

وحين أقول القرآن، لا أعني الغوص إلى أعماقه لاستخراج جواهره ولآلئه من قواعد شرعية ومسائل فقهية، ولا ما فيه من إعجاز في مختلف الفنون والعلوم فحسب؛ فهذه المجالات لم يقصر فيها المسلمون، لا قديما ولا حديثا، ولنا فيها وفرة وغزارة، ومع وفرتها وغزارتها فإنها لم تمنعهم من الوقوع في الفتنة الكبرى، تلك الفتنة التي قسمت المسلمين إلى فرق وشيع متنابذة متنافرة، مازال إلى يومنا هذا يلوح من ورائها قرن الشيطان، مهددا المسلمين من حين إلى حين في مشارق الأرض ومغاربها بالتفريق والتفتيت والتمزيق، بل أعني بالقرآن ذلك الفيض الإلهي الذي يغمر قلب المسلم بالإيمان ويعمره بالفضائل، فلا تنطق جوارحه إلا بالصدق، ولا يكون في عمله إلا الإخلاص. أعني به تلك الآفاق العليا من دنيانا التي يرتادها الإنسان ليتقرب إلى خالقه شبرا، فيتقرب منه الله ذراعا ويدنو منه ذراعا، فإذا الله منه على باع أعني به تلك الأنوار الإلهية الباهرة التي يكتشف بها الإنسان نفسه فيراها كما أراد الله لها أن تكون في الحياة، دنيا من الصفاء والنقاء والرضى، ومن الصدق والحق والعدل. أعني به تلك الرحاب الواسعة التي لا يعيش فيها الإنسان وحده ولا يضيق بمن معه، فهو من الفصول التي تمر عليه في ربيع من نفسه دائم. أعني به ذلك الإشعاع الرباني الذي يستمد منه المرء إنسانيته بكل مقوماتها المادية والخلقية، فإذا العمل عنده والعبادة سواء، يخشع في هذه كما يخلص في ذلك، ولا يرى لنفسه مكانا إلا في صرح مجتمع متكامل، ما تزيده عوادي الزمن إلا قوة وصلابة والتحاما بمواطنيه.

لذلك نجد القرآن الكريم الذي وضع خير منهاج لإسعاد الأفراد والجماعات والأمم، لم يحرص على شيء بعد توحيد الله تبارك وتعالى مثلما حرص على وحدة الأمة التي يعتبر الفرد اللبنة الأولى في أسها ومداميكها. فبين في آيات كثيرة عوامل تحقيق هذه الوحدة المتماسكة الجامعة، كما نبه إلى عوامل تشتتها وتصدعها؛ فهو يعبر مثلا عن فساد العلاقات الاجتماعية تعبيرا صريحا ويسميها فسقا فيقول: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" (سورة الإسراء الآية 16).

وأحيانا يصفها بالظلم فيقول: "وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون" (سورة القصص الآية 59).

وبما أن العلاقات الاجتماعية قابلة دائما للإصلاح بحكم طبيعتها متى توافرت شروطه، كان إصلاحها في المنظور الإسلامي واجبا لما فيه من استقامة أحوال المجتمع واستقراره وصلاحه. لقد وضع القرآن الكريم المصالحة من ضمن مقاصده، وخصص لها فقها كاملا يوضح التشريعات اللازمة لتحقيقها، فبدأ بالنفس ودعا إلى تزكيتها ومراجعتها. ووضع لهذه المراجعة ضوابط شرعية، تاركا بعد ذلك المجال للاجتهاد البشري لكي يضع ما يتطلبه التطور الطبيعي للمجتمع من ضوابط أخرى قانونية واجتماعية ومؤسساتية، مما سيجليه بالدراسة والبحث ملتقاكم المبارك إن شاء الله.

ولقد بين القرآن الكريم، أن عدم مراجعة الذات ناجم أصلا عن ضعف الإيمان بيوم الحساب، فقال (إنهم كانوا لا يرجون حسابا) ومن الأهمية هنا أن نشير إلى أن أولى الثمار الاجتماعية لهذه المراجعة للذات، بعد التوبة إلى الله سبحانه، هي رد المظالم إلى الخلق. ومن هنا كانت مراجعة الذات بصدق هي أساس المصالحة، ولا غرابة بعد ذلك أن يقترن إصلاح ذات البين في القرآن الكريم بالتقوى مباشرة قال تعالى: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) وقال تعالى: "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"، فالمنازعة والخصام من خصائص الطبيعة البشرية، وقد يكون ذلك عن حق كما قد يكون عن باطل، لكن الذي لابد منه في كل حال، هو الرجوع إلى الرشد، إلى جادة الصواب، أي إلى مراجعة النفس. ومن جملة هذه المراجعة تحريرها من غطرسة الأنانية التي تدفع إلى تهميش الآخر أو إلى إلغائه. فما من شك في أن المغايرة حق لا يمكن أن يجرد منه أحد، بل إنه سنة الله في خلقه شاءت أن يكون هذا التغاير هو القاعدة التي يقوم عليها مبدأ التعاون والتعايش بين الأفراد داخل المجموعة الواحدة، ثم بين هذه المجموعات نفسها في دوائر أوسع وهكذا؛ فالآخر إنما هو امتداد مكمل للأنا، وليس مناقضا منافيا لها، والاختلاف أمر طبيعي بين الناس، بل هو عنصر ثراء وتقدم ما دام اختلافا في وجهات النظر والرأي.

ينبغي لنا أن نحرر تاريخنا من الدوافع التي أدت إلى الصراع والشقاق والفتنة، وفي مقابل ذلك إبراز دواعي الوئام والتلاقي والوحدة بتوسيع دائرة التوافق والانسجام، وتضييق دائرة التباين والاختلاف، فإذا لم تتم المصالحة مع التاريخ فإن الأجيال المتعاقبة تظل تحمل تبعاته بل إنها قد تتبنى تلك الصراعات من غير وعي وإدراك، فتحيا الأحقاد والضغائن، ويمتد عمر الأزمة، ويتعطل الفعل الحضاري البناء القائم على حسن استثمار المواهب والطاقات في ثقة وأمن، وفي ظل وحدة جامعة مستقرة.
إن التاريخ ليس مجرد سجل للانتصارات والهزائم، فهو لذلك إما أبيض ناصع، أو أسود فاحم، بل التاريخ أوسع من ذلك كله وأرحب رحابة الكون كله. إنه ذاكرة ووجدان. إنه مخزون ثمار التفاعل الحضاري مع الغير، مع استقلالية الذات وثقتها فيما تنطوي عليه من عناصر القوة وأسباب الكمال، وهو لذلك خير أستاذ يعلمنا بأن الأمة العظيمة ليست هي التي لا تتعثر أبدا، لكن الأمة العظيمة هي التي تستمد من عثرتها عوامل شحذ العزيمة والهمة، فتنهض في ثقة وتمضي في ثبات.

أيها السادة الأفاضل،

فهي إذن ليست مجاملة، وإذا كان ترديد عبارة عفا الله عما سلف وتبادل عبارات المسامحة من شأنه أن يرضي الخواطر ويسدل الستار عن الأخطاء مدة من الزمن، فإن ذلك لن يجدي نفعا في واقع الحياة، بل إنه قد يعرضنا في المستقل القريب إلى مشاكل أكثر تعقيدا من تلك التي هزت مجتمعنا من الأعماق وأغرقته في دوامة العنف.

إننا إذا استحضرنا هذه المعاني جميعا، يتضح لنا بجلاء أن مفهوم المصالحة يجب أن يتوجه أكثر إلى المستقبل لا إلى الماضي. إن المسؤولية مسؤولية الجميع لأن الجميع قصر في حق الجزائر! عن قصد أو عن غير قصد، ولأن الجميع قد أساء إلى الجزائر بطريقة أو بأخرى. إن من عمل كثيرا وهو يستطيع أن يعمل أكثر، قد أساء إلى الجزائر !

وإن من احتكر ثابتا من ثوابت شخصيتها متنكرا لغيره من الثوابت، قد أساء إلى الجزائر.
وإن من استهان بتاريخها وأمجادها، أو شك في قدرتها على تجاوز محنتها، قد أساء إلى الجزائر!.

أيها السادة الأفاضل،

إن الإسلام هو المقوم الأساسي للهوية الحضارية الجزائرية، هو الضامن لتلاحم البعدين العربي والأمازيغي فيها، لكن هل كل متحمس للإسلام يخدم الإسلام ويخدم به الوطن!

إن النية الحسنة وحدها لا تكفي، كما أن العاطفة الدينية الجياشة إذا لم يضبطها فكر واع راشد قد تتحول إلى معاول هدم ومطارق تدمير، ويسيء إلى الإسلام وإلى الوطن على حد سواء، وهو يحسب أنه يحسن صنعا.

إن ما ننشده أن يقدر كل أحد مسؤوليته حق قدرها، ويعقد كل طرف العزم على الاستعداد للتضحية من أجل التكفير عن تقصيره. وهي بهذه الصورة أو بهذا المفهوم تعني عهد شرف. إنه عهد وطني مصون، لا يمكن الانحراف عنه سواء بفعل المتعصبين الضالين أو بقرارات الجاهلين المستلبين.

أيها السادة الأفاضل،

إن ما يقوي فينا الأمل ويعزز التفاؤل بتحقيق هذه المصالحة أن فضيلة الجنوح للسلم والاستعداد للمصالحة من الصفات الأصيلة التي عرف بها المجتمع الجزائري منذ القدم. وهذا الخلق الكريم هو الذي مكنه دائما من أن يصنع من الشتات وحدة، ومن الضعف قوة، كلما أصاب تلك القوة وهن، أو أصاب تلك الوحدة تصدع.

وما من شك في أن استقراء حقب التاريخ مع استحضار طبيعة التركيبة النفسية المتميزة للمجتمع الجزائري يخرج بحكم عام ثابت، هو أن الجزائري عموما صاحب طاقة جبارة وعنيدة إذا تجمعت وتوحدت وأحسن توظيفها وتوجيهها في مجال البناء، فإنها تأتي بالعجب، لكن هذه الطاقة نفسها إذا ما تبددت وتشتت، فإنها تستحيل إلى عنصر هدم وتخريب.

فقدر الجزائريين إذن هو أن يتصالحوا كلما تخاصموا، لكي تصرف هذه الطاقة في الخير، وفي البناء والتعمير، في ظل الوحدة والأمن والوئام والاستقرار.

أيها السادة الأفاضل،

أمام هذا العصر المادي الذي أغرقنا بموجات علومه وتكنولوجياته ووسائل اتصالاته، وجدنا أنفسنا مدفوعين إلى التحكم في إيجابياته، واتقاء سلبياته، ساعين إلى اللحاق بفرسانه الذين لم ينلنا منهم غير الحصى والغبار، ترمينا بهما حوافر خيلهم، ولكن ماذا لو امتلكنا هذه الوسائل والتحقنا بالركب وهو أمر ليس بالسهل، ولكن ليس بالمستحيل. هل نستطيع أن نحمل أعباء السير والاستمرار في المساهمة معهم في صنع الحضارة الإنسانية إذا لم نكن نتغذى من ذاتنا، ونغرف من بحر ثقافتنا، ونستمد قوتنا الروحية من قرآننا وسنة نبينا، إذن لن نكون إلا كأعجاز نخل خاوية لا تلبث أن تهوي أرضا، فتطأها الأقدام والأيام؟

إن شر ما يصيب الشعوب والأمم في تقلب حياتها مع الأيام ليس هزيمة حربية تضيع معها الأرض بما في باطنها من ثروات وبما على ظهرها من عمران، فتلك هزائم مؤقتة في عرف التاريخ، زائلة مهما امتد بها الزمان، وإنما الهزيمة النفسية هي تلك التي تنفذ إلى أعماق الذات فتقضي فيها على عناصر المقاومة وأسباب القوة، وتحملها على اليأس القاتل.

والجزائر - بحمد الله ومنه - لم تعرف في تاريخها القديم أو الحديث هذا النوع من الهزائم، ولعل في ذلك بعض السر في قيامها دائما بدور الريادة خلال هذا التاريخ الطويل الحافل بأمجاد القلم وأمجاد السيف على حد سواء. وهذا التاريخ نفسه يدعوها اليوم بقوة إلى الاضطلاع من جديد بهذا الدور الريادي في المصالحة مع الذات، والتأسيس الحضاري بكل ما يتطلبه من وعي وحكمة وصبر ونكران الذات، وحسن التخطيط لبناء المستقبل، بدءا بغرس ثقافة التسامح والوئام في جميع المجالات التي تؤثر في تشكيل ذهنية الفرد وفي تركيبته النفسية والوجدانية كمناهج التعليم والتربية، بالنسبة لتنشئة الأجيال، إلى مضامين المنظومة الإعلامية، وواقع الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية السائدة عموما، مع تعميق الحس المدني والوعي الحضاري في إطار دولة القانون.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المصدر: موقع رئاسة الجمهورية
في شبكة الأنرنات: www.elmouradia.dz